عاشوراء, مناسبات إسلامية

يا سيّدي الحسين السّعيد الشّهيد..

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فجاءنا نبينا محمد ﷺ رحمة للعالمين، سراجًا منيرًا للمهتدين والمسترشدين هدى الله به الأمة وكشف به الغمة وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور. 

أما بعد، فقد أظلنا شهر عظيم مبارك هو شهر الله المحرم أول شهور السنة الهجرية وعن أبي بكرة عن النبي ﷺ: »السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حُرُم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجَبُ مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبان« رواه البخاري، وسمي المحرم بذلك لكونه شهرًا محرمًا وتأكيدًا لتحريمه، وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم وهو اليوم الذي صامه النبي ﷺ وقال فيه: »صوم يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله« رواه أبو داود، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهودَ تصوم يوم عاشوراء فقال: »ما هذا؟« قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال ﷺ: »أنا أولى بموسى منهم« فصامه وأمر أصحابه بصيامه، رواه البخاري وفي رواية لمسلم أن اليهود قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومَه وغَرَّق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه. فقال ﷺ: »فنحن أحق وأولى بموسى منكم« فصامه وأمر بصيامه، ورواه الإمام أحمد بزيادة: »وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى شكرًا لله تعالى«.

قال الشافعي وأحمد وإسحق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا لأن النبي ﷺ صام العاشر ونوى صيام التاسع. وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب أدناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام العاشر والحادي عشر وهو أفضل وأطيب. والعاشر من محرم يوم مبارك وقد ترافق مع اليوم العاشر من محرم عبر الزمان أحداث وأمور منها: أن يوم عاشوراء هو اليوم الذي تاب الله فيه على آدم وهو اليوم الذي نجّى الله فيه نوحًا، وأنزله من السفينة محفوفًا بالنصر، وفيه أنقذ الله نبيه إبراهيم من النمرود، وفيه ردّ الله يوسف على يعقوب وفيه وُهِبَ سليمان ملكه وفيه أخرج نبي الله يونس من بطن الحوت وفيه دفع عن أيوب البلاء وفيه كانت غزوة ذات الرقاع.

وفي عاشوراء وبعد وفاة الرسول ﷺ بسنين قتل الظالمون الحسين ابن بنته فاطمة، وقد أعلم الله نبيه أن الحسين سيموت قتلًا وذلك بما ورد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: استأذن مَلَك على النبي ﷺ فقال النبيّ ﷺ لأم سلمة:  »احفظي علينا الباب« فجاء الحسين رضي الله عنه وكان صغيرًا، فاقتحم وجعَلَ يتوثب على النبي ﷺ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله فقال الملك: أتحبّه؟ فقال ﷺ: »نعم« قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتَل فيه، قال: »نعم« فجاءه بسهلة أو ترابٍ أحمر، قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. وورد في رواية أخرى عن أبي أمامة  رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه: »لا تُبَكُّوا هذا« يعني حسينًا. فكان يوم أم سلمة عليها رضوان الله فنزل جبريل عليه السلام فقال رسول الله ﷺ لأم سلمة: »لا تدعي أحدًا يدخل« فجاء الحسين رضي الله عنه فبكى فخَلَّته يدخل فدخل حتى جلس في حجر رسول الله ﷺ فقال جبريل عليه السلام: إن أمتك ستقتله. وأتاه جبريل عليه السلام بتراب من التربة التي يقتل بها الحسين وقيل: اسمها كربلاء.

قُتل الحسين رحمه الله سنة إحدى وستين للهجرة وهو ابن ست وخمسين وقيل خمس وخمسين وكانت ولادته قريب السنة السادسة من الهجرة. ولما قتل رضي الله عنه وأرضاه ظهرت النجوم في النهار ولما قتل بكت عليه السماء والأرض أي بكت عليه الملائكة البكاء الحقيقي وكان يرى بعد مقتل الحسين تحت الحجر الذي يرفع دم. ومما خاطب به الإمام أبو عبد الله الحسين رضوان الله عليه الظّلمة مذكرًا ناصحًا لهم:

»أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها، وانظروا هل يصلح ويحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيّه وابن عمّه ومن المؤمنين بالله المصدّقين لرسوله؟ أو ليس سيد الشهداء حمزة عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار الشهيد في الجنة عمي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: »سيدا شباب أهل الجنة«؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبًا مذ علمت أن الله يمقت عليه وأهله، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، سلوا أبا سعيد الخدري، سلوا سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله لي ولأخي أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي؟؟«.

الحسينُ رضي الله عنه وأرضاه خرج لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل، خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والرسول صلى الله عليه وسلّم كان من شدة حبّه للحسين إذا مرّ بين يدي المنبر وكان مازال طفلًا ينزلُ النبيُّ عن المنبر يحتضنه، يحمله، ثم يرجع به إلى المنبر، يكفيه شرفًا أنه رضي الله عنه وأرضاه وأخاه الحسن سيّدا شباب أهل الجنة.

الحسين عليه السلام وليٌّ من أولياء الله والله يقول في الحديث القدسيّ: “من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب” رواه البخاري، الذي يقتل وليًّا من أولياء الله هذا عدوُّ الله، حربٌ من الله عليه، الله يُهلِكُه ويدمّره وهؤلاء الذين قتلوا الحسين قد انتقم اللهُ منهم وعجّل لهم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة وجعلهم عبرةً للمعتبرين فلم يبقَ أحدٌ ممّن اشترك في مقتل الحسين إلا وجعله اللهُ تعالى عبرةً للناس، منهم من مات غرقًا ومنهم من مات حرقًا ومنهم من اسودَّ وجهه ومنهم من مات عطشًا، الله يقول: “فقد آذنتُه بالحرب“، وحُرمة المؤمن عند الله أعظم من الكعبة فكيف بالحسين! فكيف بحبيب محمّد وفاطمة وعليّ!

يا سيّدي الحسين السّعيد الشّهيد.. يا مَن اسمه زينةٌ بين الأسماء، يا حفيد محمّد سيّد الأنبياء، يا حِبَّ عليٍّ الكَرّارِ والأولياء، يا قُرّة عين فاطمة الزهراء والأصفياء..

يا سيّدي الحسين السّعيد الشّهيد.. يا مَن دعوتَ للحقّ زمنَ الفتنة العمياء، يا مَن لأجل دين الله قمتَ ترفعُ اللواء، يا مَن بسيرتك اهتدى أهلُ الشّجاعة الأقوياء، يا مَن بذكر ثباته وصبره لنا العزاء..

يا سيّدي الحسين السّعيد الشّهيد.. يا مَن نُحِرَ عنده طفلُه أصغرُ الأبناء، يا مَن أمامه تمزّق آلُه والأخلّاء، يا مَن تقطَّعتْ من شريف جسمه الأعضاء، يا مَن بطَعَنات السيوف أصابه الأعداء، يا مَن منعوه عند ذبحه من شرب الماء، يا من تركوه مرمّلًا مضرّجًا بالدماء، يا مَن عليه مَشَتْ خيول المعتدين بازدراء، يا مَن سبَوْا أهله والأطفال والنساء..

يا سيّدي الحسين السّعيد الشّهيد.. يا حُرقةً منها اكتوتْ قلوب الأعزّاء، يا مَن بَكَتْ عليه الأرضُ والملائكُ في السماء، يا مَن سقتْ دماؤه ترابَ كربلاء، يا مَن جاهَدْتَ لدفع الظّلم والاعتداء، يا ناهيًا عن الشرور والمفاسد العرجاء، يا ناهضًا بالحقّ في زمن الفتن الهوجاء، يا مرشدًا إلى درب الجِنان والعلياء، علّمتَ أنّ الله ليس جسمًا ليس حجمًا ليس كميّةً ملساء، ليس حدًّا ليس شكلًا ليس كالهباء، نزّهتَ ربَّك عن قعود وجلوس وعماء، نفيْتَ عنه تحيُّزًا في الجهات والفضاء، هذا اعتقاد أهل السنّة الأجلّاء الذين أعلنوا حبَّهم للحسين وأهله بلا خفاء، هذا طريقهم ونهجهم بلا افتراء، وهذا الذي عليه المشاريع في مَحَجَّتِها البيضاء فهي الكوكب والبدر في الليلة الظلماء.

رحم الله أبا عبد الله الحسين رحمة واسعة، اللهم اغفر لنا ولمن سبقونا بالإيمان، ومكّنّا من صوم عاشوراء وتاسوعاء والحادي عشر من محرم وتقبّل منا طاعاتنا واجعلنا من المرضيين عندك يا أكرم الأكرمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.. آمين.