العدد 233, مرسى المسافر

العمل ركن الإنجاز

ما أجمل نظرة الأمل والطموح في عيون أطفالنا حينما نسألهم السؤال الذي طرح علينا قبلهم وهو ماذا تريد أن تكون حينما تكبر؟ في هذه اللحظة تختلط الأحلام والطموحات في مزيج استثنائي لينطق الطفل غالبًا بما يعتبره نموذجًا يجد فيه الحب والتميز. 

ولكل من يفكر بطرح هذا السؤال أقول، مهما كان الجواب عن هذا السؤال فإن الوصول إليه هو مسؤولية مشتركة ما بين الطفل الذي سيغدو رجل الغد وأهله من جهة ومجتمعه من جهة أخرى. فهذه الأحلام تبقى أحلامًا إلى أن نبدأ بالعمل من أجل تحقيقها، وحينما نعمل على غرس بذور الطموح في نفوس فلذات أكبادنا لا بد لنا من أن نقرن هذا الغرس ببذرة أخرى وهي بذرة العمل الجاد والدؤوب والمثابرة، فلم نسمع من قبل أن أحدًا وصل إلى قمة النجاح والإنجاز من خلال التراخي واللامبالاة.

ولأن الإنجاز اقترن بالعمل فإن هناك ارتباطًا مباشرًا ما بين قدر الإنجاز والعمل والتعب المطلوب للوصول إليه، وفي هذا السياق وسعيا لملامسة واقع المجتمع الذي نعيش فيه وعدم تصوير مسار تحقيق الإنجازات بأنه عبارة عن وصفة موحدة تقتضي منك اكتساب الخبرات والعمل وبالتالي نصل للإنجاز وهذا تبسيط مخل، أقول إن الفرص في مجتمعنا لا تقدم للأشخاص على طبق من ذهب عادة وهذه هي القاعدة أما خلافها فهو الاستثناء، من هنا لا بد لمن يسعى لتحقيق حلمه وطموحه أن يكون مستعدًا لينتزع الفرصة انتزاعًا، وذلك من خلال التميز في مجاله مما يجعله استثمارًا ملحًّا لكل من أراد التطور، والبذل والتعب للإنجاز فيه متعة لا يعرفها من يركن للخمول والراحة.

بناء على ما تقدم إن كان الواحد منا يسعى للتزوّد بمختلف أنواع العلوم والخبرات التي تخدمه في تحقيق طموحاته وانجازاته دنيويًّا، فمن باب أولى أن يعمل ويستعد ليلًا ونهارًا ليكون من الفائزين في الآخرة فذاك هو الفوز العظيم والإنجاز الذي لا يقاربه إنجاز  دنيوي مهما علا، فقد قال اللّه تعالى في سورة الحديد/12: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12). فالكيّس الفطن هو من سعى للفوز العظيم وذلك لا يعني بالضرورة إهمال الإنجازات الدنيوية، فإن التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر يزخر بالنماذج التي جمعت ما بين الأمرين، فكان نفعهم للناس شاملًا لأمر دينهم ودنياهم..