أوراق منثورة, العدد 230

بحر العادات

عادات بعض الناس تمتلك قلوبهم وعقولهم لدرجة أنهم قد ينسون أشياء هامة جدًّا.. أو لا يهتمون بها حرصًا على عدم ترك عاداتهم… بعض العادات مفيدة ومهمّة وتؤتي ثمارًا جيدة للشخص نفسه ولمن حوله… كمن تعود الاستيقاظ صباحًا وإيقاظ أهله للقيام بنشاط رياضي مفيد… ولكن قبل العادة يؤدي العبادة… صلاة الفجر في وقتها… فيكون له إن أخلص النية للّه في عبادته الثواب العظيم… 

وعادة صيد السمك صباحًا أو مساء… البعض يذهب للصيد لا ليصيد لنفسه فقط… بل ليشعر بالراحة والسكينة عندما يجلس على شاطئ البحر… يراقب الأمواج المتلاطمة… ينظر إلى الشمس ويتابع تحركها… ويفكر في بعض مشاكله… ويسعى لأن يجد حلًّا لها…

حنان امرأة متزوجة تعيش في إحدى الدول الأوروبية… عندها ولد وبنت… محمّد وهديل… محمّد في الرابعة من عمره وهديل عمرها سنة ونصف… كانت حنان تشعر كثيرًا بالوحدة بسبب بعدها عن أهلها ورفاقها… اشترى لها زوجها جوالًا لتتواصل مع أحبابها حين تشعر بالملل والشوق إليهم… من هنا بدأت القصة… سجلت نفسها على أكثر من وسيلة للتواصل الاجتماعي… وصارت تصرف أكثر وقتها تخاطب الناس خارج بيتها… تعرفت على أصدقاء جدد… وكثر ضياع وقتها على هذا الأمر لدرجة أنها لم تعد تهتم لأهل بيتها… لم تهتم لزوجها أو أولادها… بل كانت هذه الآلة الجديدة سببًا للابتعاد عمّن حولها والاقتراب من أناس لا تعرف عنهم شيئًا إلا ما يذكرونه لها… ولعل الكثير ممّا يذكرونه أكاذيب وأباطيل…

في أحد الأيام… كان زوج حنان في عمله… وكان ولداها في غرفتهما يلعبان… وهي في غرفتها مع جوالها تتواصل وتخاطب صاحباتها… كانت غارقة في حديثها عندما سمعت صوت ابنها محمّد يصرخ ماما… ماما… لم ترد عليه بل تابعت حديثها ولم تلتفت لصراخ ابنها… بعد دقائق عاد محمّد ليصرخ ماما… ماما… قالت له: «اسكت… أنا جاية»… ولم تذهب إليه إلا بعد أن استأذنت صديقتها… ذهبت إلى غرفة أولادها لتجد هديل مستلقية على الأرض دون حراك ومحمّد بقربها يحاول إيقاظها… ركضت حنان إلى ابنتها تحاول إنقاذها… ابتلعت المسكينة لعبة صغيرة… حاولت الأم إخراج اللعبة من حلقها… لم تفلح… اتصلت بالإسعاف… جاء المسعفون… لكن لم تنج هديل… ماتت المسكينة وفارقت الدنيا…

جاء الأب مسرعًا بعد أن اتصل به الجيران… كانت المصيبة أكثر مما يتحمل… إنها طفلته الحبيبة… طفلته الصغيرة المدللة.. رفيقته الصغيرة… ماتت… ولما سأل زوجته عما حصل أخبرته الحقيقة… لم يستطع الزوج تحمل الكارثة التي ألـمّت به… طلّق حنان ومنعها من رؤية محمّد… وتركها تبكي على فراق أحبابها…

المقدر لا بد من أن يحصل… مشيئة اللّه نافذة… الموت حقّ وسيصيب كل البشر… والواحد منا حين يصاب بما يكره… ينبغي أن يكون شأنه الصبر وأن يحمد اللّه على كل شىء… لكن نحن ينبغي أن نعمل بأسباب النجاة… لا نلقي بأنفسنا في ما يضرنا ويؤذينا… بل نعمل ما فيه خيرنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة… فنختار من الأمور ما ينفعنا… ونبتعد عن كل ما يحتمل أن يوقعنا في ما لا تحمد عقباه… ومن المشاكل التي تنشىأ عن التمسك بالعادات السيئة، تقليد الأهل والأصحاب لهذه العادة… لذا فإن التمسك بالعادات الجيّدة قد يكون سببًا لصلاح أمر من حولك حين يقلّدونك فيما يرون منك من خير… فلينظر أحدنا جيّدًا إلى تصرفاته… فهناك من يتابع تصرفاتك ويقلّدها… لذا تمسّك بالصلاح والتقوى حتى يتبعك من حولك بالتقوى والصلاح…