العدد 224, مرسى المسافر

رحلتنا ما بين الحياة والموت

ما أجمل تلك اللحظات حينما تسمع صوت الطفل عند الولادة يبشرك بأن رحلة وصوله إلى الحياة الدنيا قد تمت بسلام، وأنك أصبحت أبًا مسؤولًا عن طفل لا حول له ولا قوة، وأنك سوف تعمل من هذه اللحظة وإلى مماتك على تزويده بما ينفعه ويمكنه من متابعة رحلة حياته بعد مماتك.

عجبًا لهذه اللحظات التي تختلط فيها الفرحة بالمسؤولية، ففرحة انطلاق رحلة حياة مولودك الجديد تطلق في داخلك صفارة إنذار لتعمل بكل ما أوتيت من قوة لتأمين سبل العيش الكريم لفلذة كبدك، ولتعمل على إعداد العدة لتربية هذا المولود التربية الصالحة وتزرع فيه خصال الخير وتبعده عن خصال الشرّ ومسالك الحرام.

وفي خضم خوضك معركة التربية والإعداد تباغتك الأيام وتمر السنين فمن كنت تسهر الليل ترعاه إن شعر بشىء من المغص، وتحميه بذراعيك وهو يخطو خطواته الأولى، ويغلب الدمع عينيك وأنت تودعه وهو داخل إلى المدرسة في يومه الأول، قد اقترب موعد فراقك له الذي لا بدّ منه، فكلنا على موعد مع الموت.

وما بين الحياة والموت رحلة لا وقت فيها للغفلة والاسترخاء، فما إن يشتد عودك حتى تتوالى عليك المسؤوليات، فالهدف الأول هو أن تضع نفسك على درب النجاة وهو درب تعلّم علم الدين وتطبيق ما تعلمت، وبالتزامن مع هذا الهدف المستمر الذي يرافقك حتى لحظة وفاتك، تتوالى الأهداف والمسؤوليات فالعمل لتوفير سبل المعيشة والعمل لتوفير مسكن لائق، ومن ثمة العمل لتوفر لأولادك ما يحميهم من الضياع إن أصابك مكروه، والعمل لتعليمهم ما يحميهم من فتن الشيطان في هذه الدنيا دار البلاء، وفجأة تشعر بالوهن قد تسلّل إلى جسمك وضرب المشيب رأسك وأضحيت لا تقوى على خدمة نفسك بنفسك وقد حان وقت قطاف ما زرعت.

فإن أمضيت ما مرّ من عمرك تزرع سنابل الخير في نفسك وأولادك، فإنك ستحصد الخير من زرع الخير بإذن الله، وأما إن كان اللهو والغفلة قد تحكّما بالعمر والفؤاد فلن تجد غالبًا من يلتفت إليك ليرعاك ابتغاء مرضاة الله، ولن تجد من يعينك على قضاء حوائجك بل ستجد من يبتعد عنك كأنك وباء أو مصدر للحزن والنكد ناسيًا ما بذلت من عمرك وتعبك على تربيته ورعايته.

لذا تنبه أيها العاقل فالرحلة ما بين الحياة والموت رحلة تعلم متى بدأت ولا تعلم متى تنتهي، ومن كان على موعد لا مفر منه استعد له، والاستعداد يكون بأن تتعلّم وتعمل وتعلّم أولادك وتحثهم للعمل بما يدخلهم دار السلام، وكل يوم تطلع به عليك الشمس أو يقبل عليك الليل هو فرصة لك لتزرع المزيد من الخير أملًا بحصاد الخير…█