أوراق منثورة, العدد 224

رحل دون وداع

كان يسير بين الركاب المسافرين إلى الحج… يتفقدهم… يرسل في طلب من تأخر منهم… في تلك الأيام كان مسموحًا بسفر الحجاج بالباصات… كان السفر شاقًّا… يأخذ فترة طويلة من الزمن… لكنه كان ممتعًا وخاصة أن الغاية هي الحج وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم…

اكتمل العدد… صعد الركاب إلى الباص… ودّع الحاج يوسف إخوته.. وانطلق في سفره… كانت أمه ترافقه في سفره… كانت دائمًا ما تسأل عنه… أين الشيخ يوسف… أين ذهب… هو كان يترك الباص ليقوم بإنهاء معاملات الحجاج على الحدود… لكن الوالدة الطيبة كانت تخاف من طول غيابه وتسأل الركاب عنه إن تأخر…

وصلوا إلى تبوك… الطريق طويلة… وكانت الباصات تتسابق… فجأة صدم أحد الباصات المسرعة باص الحاج يوسف… نزل من الباص ليتفقد الحال… وإذ بسيارة مسرعة تصدم الشيخ يوسف فيطير في الهواء من قوة الصدمة ثم يسقط أرضًا.. ركض إليه الركاب… وضعوه جانبًا… لكنه لفظ آخر أنفاسه… ورحل…

الوالدة في الباص علمت بحادث الصدم… سألت عن ابنها. أوهموها أنه ذهب إلى المستشفى مع المصاب… لكنها لم تطمئن لكلامهم… ثمة شعور عند الأم… يصدق أحيانًا عندما يقع أحد أبنائها في مشكلة… وينشغل بالها وتبدأ بالبحث عن حلّ لتفرج كرب ابنها…

الموت لا بد أن يصيب كل واحد منّا… هو كما يقولون كأس يشرب منه الجميع… لكن عند حادثة الموت… يشعر بألمها صاحبها… ألم الموت شديد… الله يهوّن علينا سكرات الموت… ويشعر بالألم أيضًا أحباب الميت… هم يفقدون حبيبًا كان بينهم… يضاحكهم ويمازحهم… يشاركهم أفراحهم وأحزانهم وفجأة يرحل… دون وداع يرحل… ويترك ألـمًا عند من حوله… لكن الفائز من يشكر الله على كل حال… ويقول… إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ… كلمات الصبر والشكر والحمد هي ما ينفع تلك اللحظات… أما من يعترض على الله فهذا خاسر.. واعتراضه لن ينفعه… بل سيجلب له الويل إن مات على هذه الحال…

لم يستطع ركاب الباص أن يخفوا طويلًا حقيقة ما حصل عن أم الشيخ يوسف… أخبروها.. وكانت صابرة بكت بصمت.. أكل الحزن قلبها لكنها صبرت… وطلبت له الرحمة… وسألتهم هل أسقيتموه الماء قبل أن…

وبكت.. بكت كثيرًا على حبيب قلبها… رفيق سفرها… لكن البكاء لا يردّ الفقيد… ثم صمتت وأمسكت السبحة وبدأت تذكر الله وتدعو لحبيبها الذي فارقها دون وداع…

وقررت العودة إلى بيروت… استأجروا لها سيارة تعيدها إلى بلدها… ووضعوا الشيخ يوسف داخل التابوت على سقف السيارة… ما زال ابنها رفيقها في السفر… لكن في هذه المرة لم يكن يجلس بقربها يحادثها وتحادثه… بل كان مستلقيًا فوق سقف السيارة… بعيدًا عنها وهو قريب…

وصلت السيارة إلى بيروت… وكان الأهل والأحباب بانتظارهم… أدخلوا الصندوق إلى البيت… كشفوا عن وجه حبيبهم… ألقوا النظرة الأخيرة عليه… أعادوا ستر وجهه وانطلقوا به إلى المسجد للصلاة عليه ثم دفنه…

بعض الناس يغفلون عن ذكر الموت… وإن ذكروه لا يترك في قلوبهم أثرًا من شدة الغفلة… يرون الأموات أمامهم يساقون إلى المقابر ولا يعتبرون… شغلتهم الحياة الدنيا… انغمسوا في ملذاتها… ولم يفكر بعضهم في اللحظة التي سيغادرون فيها كل شىء… كل ما جمعوه في هذه الدنيا لن يؤخر رحيلهم ولو لحظة… نسوا قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾ سورة النحل.

نعم… الأجل لن يتأخّر ولن يتقدّم ولو لحظة… العاقل من يدرك هذه الحقيقة… ويعمل في حياته ما ينفعه في آخرته… مهما طال بنا العمر في هذه الدنيا… لا بد من لحظة نترك فيها كل شىء… ولا يضعون معنا في القبر إلا ما يستر أجسادنا… الدنيا قد تعطيك بعض السعادة.. لكن المؤمن التقي يفوز في الجنة بالسعادة التي لا يشبهها أي فرح في الدنيا… واذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء” رواه الترمذي.█