العدد 219, مرسى المسافر

الحوار نهج وممارسة

إن النظر في مسار حياتنا يظهر تطور المراحل الفكرية والمجتمعات التي ندخل إليها، ويبقى القاسم المشترك للتعرف والتفاعل مع البيئة المحيطة بنا بمختلف المراحل هو التواصل، والحوار هو ركيزة التواصل غالبًا. 

في سياق متصل تتنوع أنماط الحوار وأهدافه بالتناغم مع تنوع أطراف الحوار ومواقعهم، فالحوار ما بين شخصين منسجمين يغلب عليه نمط العفوية وتبادل الأدوار بشكل تلقائي بغية بلورة فكرة مشتركة أو التعرف على فكرة جديدة لا تشكل استفزازًا لأي منهما، أما الحوار بين شخصين مختلفين فله العديد من السمات المختلفة عما سبق، ففي البداية يكون لحجم الاختلاف وعنوانه علامة واضحة على مسار الحوار، وعند الاختلاف حول قضية مبدئية لا بد من الاتفاق على مرجع يُرجع إليه للحكم على ما هو صواب وما هو الخطأ أو ما هو الصواب وما هو الأصوب، ومن ثم فإن الاختلاف يدفع ببنيان الحوار نحو نهج من اثنين، الأول هو طرح نتيجة أو خلاصة وسرد مجموعة من الأدلة المتلاحقة المتفاعلة للتأكيد على مضمون هذه الخلاصة، والثاني هو سرد مجموعة من الأدلة المتدرجة للوصول إلى الخلاصة، وفي كلا الحالين مفتاح الترجيح هو طرح الطرف الآخر في الحوار، فإن كان الاختلاف معه على الخلاصة فمن الأجدى أن تعتمد على عرض الأدلة تباعًا لحمله للوصول إلى خلاصة مشتركة، أما إن كان الخلاف يرتبط بأحد الأدلة فاعمل على تثبيت الخلاصة المشتركة بداية، وأظهر بعد ذلك كيف يخدم هذا الدليل موضع الاختلاف في هذه الخلاصة، وأحد الشروط المطلوبة لنجاح الحوار هو استعداد الطرف المخطئ لترك الخطأ أو استعداد الطرف الآخر للتمسك بالصواب من خلال التوجه نحو الأصوب، فإن توفر شرط الاستعداد لاتباع الحق، يتكامل معه شرط الإنصات المقيد، فلا يقبل أي أمين أن ينصت لمن ينشر الباطل خوفًا من أن يدخل الباطل إلى قلوب وعقول المستمعين، وأحد أبرز الأسباب التي أدت إلى انتشار الباطل والوصول إلى ما وصلنا إليه من فساد وانتشار للتطرف، الذي يترجم قتل وتفجير وتخريب، هو السكوت عن الرد على الباطل وترك أهل الباطل ينشرون باطلهم، فلقد قيل: الساكت عن الحق شيطان أخرس، وبالتالي احرص على إظهار باطل من يتفوه بالباطل فورًا كي لا يغش الناس ويجرهم إلى موارد التهلكة. وفي الختام نقول: إن من صمّ أذنيه عن سماع الحق ورفض الانصياع إلى الأدلة بمختلف أنواعها من عقلية ونقلية، وأصر على نشر دعواه الباطلة، ينتقل الحوار معه من خانة الإقناع إلى خانة كشف الباطل ومنع انتشاره، فيصبح من وسائل الحوار التبكيت أي التأنيب والتوبيخ حثًّا له على تركه وسعيًا لعلاجه من تشبثه الأعمى بالباطل، فالتبكيت قد يكون نوعًا من أنواع العلاج كما يكون الصعق الكهربائي أحيانًا نوعًا من أنواع العلاج لمن توقف قلبه.█