العدد 214, طفلي لأني أهتم

سر رأس السمكة

عشية يوم طويل ومتعب، وبعد أن أنهيت تقديم حصة دراسية عملت كثيرًا للتحضير لها ولكنها لم تكن كما أردتها أن تكون لأسباب عديدة، وقفت مع زميلتي خارج المركز التعليمي نناقش أمور العمل. ولرغبتها الدائمة للتخفيف عني، حكت لي قصة سمعتها في جلسة تطوير مهني حضرتها في مكان عملها، قالت لي: في آخر يوم من أسبوع العمل المضني، وفي آخر ساعة قبل انتهاء الدوام، جمعت الإدارة 30 مُدرِّسة ليستمعن إلى قصة السمكة، وأنا واحدة من 30 معلمة أخرى ما زلنا لم نفهم المغزى الذي أرادوا تعليمنا إياه إلى الآن، وما علاقة السمكة بكل ذلك! هززنا رؤوسنا وخرجنا جائعين بعد ذلك الحديث عن السمك الافتراضي، وأضعنا ساعة من حياتنا لن ترجع أبدًا. نجحت أماني في إضحاكي وإثارة فضولي لمعرفة المزيد عن السمكة الغامضة، وهاكم القصة التي ساعدتها فيما بعد على فهم مغزاها. 

تقول القصة إن إحدى النساء دعت جارتها للعشاء معها في يوم من الأيام، وكان الطبق الرئيسي سمكًا مطهوًا بطريقة شهية جدًا! لم تتمالك الجارة إلا أن تطلب من جارتها تعليمها وصفة طبخ هذا السمك كي تعتمدها في طبخها. علَّمت الطاهية الماهرة صديقتها الطريقة، وأصبحت الأخرى تطبخها في كل ولائمها لأنها لاقت استحسانًا كبيرًا، وتناقلت الصديقات الوصفة حرفيًا إلى أن وجدت إحداهن شيئًا لم تفهم سببه في طريقة التحضير، فسألت: “ولِمَ نقطعُ رأس السمكة وذيلَها قبل الطهي؟ هل أستطيع أن أطبخها بالرأس والذيل حفاظًا على جمال تقديمها؟”.

لم تملك الجارة جوابًا، فرفعت الهاتف واتصلت بجارتها مصدر الوصفة، والتي بدورها لم تعرف السبب، بل قالت إنها أخذتها عن أمها ولم تسألها يومًا هذا السؤال. اتصلت الأخرى بأمها التي استغربت السؤال ولاحظت أنها لا تعرف السبب وراءه. أخذت الأم على عاتقها البحث والتدقيق، فاتصلت هي الأخرى بجارتها التي هي المصدر الرسمي الأول للوصفة ذات الخطوة المستغربة ظنًّا منها بأنها ستعرف السر الكبير وتنشره. حين سألت هذه المرأة جارتها عن السبب، أجابت بأن قدرها الوحيدة الذي كانت تطبخ بها لم يكن يتسع للسمكة كاملة، مما اضطرها إلى قص رأسها وذيلها كي تطبخها!

هذا هو، بكل بساطة، السر الذي لم يكن سرًا في النهاية! ثلاثة أجيال توارثت الطريقة ونفذتها بحذافيرها دون فهم أو تساؤل، إلى أن تساءلت امرأة واحدة فقط عن السبب، وتبيّن أنه تنفيذ لما كان يناسب المرأة الـمُقَلَّدة وقتها فحسب… تقليد لما ناسب الأولى وقتئذ فقط لا غير.

هذا هو المغزى تحديدًا، لِمَ نتناقل ونفعل ما يتوافق وحاجات غيرنا ويظن بعضنا أنه من الأشياء التي لا نعدّل فيها أو نغيّرها لتناسبنا؟ إن أصيب ابني بالتهاب الأذن واكتشفت أن ابنة جارتي أيضًا مصابة بالتهاب الأذن وتأخذ مضادًا معينًا للالتهاب بعد استشارة الطبيب، لا أذهب واشتريه مباشرة ظنًّا مني أنه علاج مناسب لطفلي. الميكروبات المسببة للالتهاب متنوعة ومختلفة، وما يعطى لحالة معينة لا يناسب بالضرورة ذاك الذي يوصف في حالة أخرى، ناهيكم عن احتمال عدم الحاجة للدواء أصلًا في بعض حالات الالتهاب!

كذلك دواء السعال، تتعدد أنواعه بتنوع أنواع السعال، ولكل حالة دواء مناسب، ولو أن ابن أخي تلقى علاجًا معينًا للسعال وتحسنت صحته باستعماله. أضف إلى ذلك أن بعض الأدوية غير مناسبة بتاتًا لأطفال بأعمار معينة أو بوجود مشاكل صحية مصاحبة للسعال. فلا جدوى في كثير من الأحوال من التقليد دون تفكير أو تحليل أو اقتناع، بل فقط لمجاراة جاراتي وأقربائي أو “الصرعة” الصحية الجديدة على حساب ما يناسب ظرفي الخاص.

عزيزي الأب، عزيزتي الأم، في تربية أبنائنا والاهتمام بصحتهم لا نأخذ بآراء من حولنا إلا إن كانوا من أهل العلم في هذا المجال. مطلوب منا أن نتذكر دائمًا أن الأطفال أفراد مختلفون عن بعضهم وليس بالضرورة أن يتبع كل واحد منهم نمط النمو والتطور الذي يتبعه أقرانه بنفس السرعة أو بنفس الترتيب. بعض الأطفال مثلًا يبدؤون بالمشي من عمر العشرة أشهر، بينما يأخذ غيرهم حوالي 18 شهرًا للمشي بثبات وثقة دون أن يكون هناك أي داع للقلق. وكم من طفل تأخر قليلًا بالمشي فتهاوت من حول أمه النصائح والتوجيهات وتعددت التفسيرات والعلل المحتملة المقترحة من مجتمعها إلى حد يوتّر الأم ويثير قلقها حول شىء لا يدعو بالضرورة إلى القلق.

بعض الأطفال يصلون إلى علامات النمو والتطور العمرية قبل غيرهم وبعضهم قد يصل إليها وهم أكبر بقليل من العمر المعتاد. قد لا يتعدى الأمر الفروق الفردية التي نراها بين طفل وآخر، بل وحتى بين الإخوة، وقد يكون في أحيان أخرى مدعاة للبحث أو التدقيق. إن كان التأخر كبيرًا أو مصاحبًا بما يثير قلق الأهل فحري بكم ذكر الأمر لطبيب الأطفال الذي تزورونه دوريًا لمراقبة تطور الطفل وأمراضه. اشرحوا ما يثير قلقكم بالتحديد واستمعوا إلى الإرشادات. راقبوا طفلكم باستمرار وإن لم تلاحظوا تحسنًا أو تطورًا أو لم تلمسوا عند الطبيب اهتمامًا كافيًا فاستعينوا برأي طبيب آخر لما فيه مصلحة أبنائكم.

لا تقعوا فريسة تقليد الآخرين أو اتباع خطواتهم إن لم يكن في ذلك ما يوافق لظروفكم الخاصة. استمعوا إلى غيركم ولكن لا تعتبروا كل ما سمعتم حقيقة مُسَلَّمةً، بل أعمِلوا فكركم وارجعوا إلى المختصين في مجالاتهم إلى أن تجدوا ما يناسبكم. فرُبَّ رأْي قُصِد به الخير وارتُجي منه النفع ولكن اتِّباعه دون تفكير أو استشارة بل تماشيًا مع الجمهور المحيط أدى إلى ضرر غير مقصود قد يصل أحيانًا إلى الضرر الدائم الذي لا تحمد عقباه.█