أوراق منثورة, العدد 214

أيام زمان

أبو أحمد… أبو مصطفى… أبو سعيد… أبو عبد وغيرهم كانوا من الرجال المعروفين في أحياء بيروت… وكنت تجد مثلهم في غير بيروت من النواحي… كان كل واحد منهم مقصدًا لأهل الحي يعودون إليه في أمورهم ومشاكلهم… إذا احتاج أحدهم للمال كان يأتي إليه ويجد عنده الدعم والمساعدة… إن حصل أي إشكال في الحي كانوا يذهبون إليه ليعينهم في حل ما حصل من سوء تفاهم… حتى في المشاكل الأسرية كانت له مساهمته الطيّبة في عودة السكينة والأمان للأسرة الطيّبة… 

إن أراد أحدهم السفر أو اتخاذ قرار في عمل يريد الإقدام عليه… كانت المشورة عنده… وعنده يؤخذ القرار…

تلك الأيام كانت تتميز بالبساطة والعفوية… كان الليل في كل يوم موعدًا لاجتماع الأسرة في جلسة مريحة يحكون ما حصل معهم خلال اليوم… يحكي الأب عما حصل معه في عمله… وكانت الجلسة لا تخلو من موعظة بسيطة يلقيها الأب على أسرته… كما أنه لا ينسى أن يحكي لهم شيئًا عن جدهم وجدتهم ويذكرهم باحترامهما ويذكرهم بصلة أرحامهم… والأم كانت بدورها تحكي ما حصل معها وتحكي عن الذي فعله فلان من أولادها لكي يقوم الأب بمعالجة الأمر بما يناسب…

وفي أيام الشتاء كان يضاف إلى الجلسة الطيبة موقد النار والكستنا… كان الدفء يملأ القلب بالحب المتبادل في الأسرة… كما أن موقد النار يزيد بهجة جلستهم ويرسل الدفء إلى أجسادهم المتعبة…

في تلك الأيام “كان الجيران لبعض” كما يقال… كان الجار يقف إلى جانب جاره في الملمات… إن احتاج لمساعدة فلن يذهب بعيدًا ليجد من يسعف حاله… كانت البيوت مفتوحة للجار في الأفراح والأتراح…

حتى في الأمور البسيطة كانت معالم الجيرة الطيبة تظهر ولو بصحن الطعام يرسله الجار إلى جاره…

ولو بهدية بسيطة ترسلها أم محمد لأم وليد… كانوا يعيشون كأسرة واحدة همهم واحد وفرحهم واحد…

لكن ماذا حصل اليوم… هل الحال ما زال كما كان…

هل يعطف الجيران بعضهم على بعض مثل أيام زمان… إن وقع فلان في أزمة معينة هل يمد جاره يده إليه بالمساعدة… هل الجلسات المسائية للأسرة كما كانت أيام زمان… يا ترى هل كلمة الوالد في البيت ما زالت بنفس التأثير كما كانت قبل سنين…

اليوم… الأسرة قد تجتمع في نفس الغرفة… لكن كل واحد منهم يكلم إنسانًا آخر في مكان آخر… لماذا تركنا وسائل التواصل تصلنا بالبعيد وتبعدنا عن القريب…

تحصل حالة وفاة في الحي ولا يدري الجار ما حصل… كثرت هموم الناس وغرقوا في أشياء كثيرة فما عاد الجار يهتم لأهله أحيانًا وهذا مما يؤلم ويوجع…

القناعة كنز يعرف قيمتها من جربها… أشياء كثيرة يمكن للإنسان أن يستغني عنها… لكن عندما سعى دون تفكير لتحقيقها… أتعب نفسه وأتعب من حوله…

الأب مشغول في ليله ونهاره ليعمل على تحقيق رغبات أسرته… يريدون كل وسائل التكنولوجيا الحديثة والأب يعيش هم تحقيق المطالب… وتكون النتيجة أنه لم يعد قادرًا أن يجلس مع أسرته ليعرف مشاكلهم ويساعدهم في حلِّها… هذا لا يستطيع مساعدة أسرته… كيف أتوقع منه الانتباه لحال جاره…

القناعة حل لمشاكل كثيرة… لا تسعَ وراء ما لا تقدر على تحقيقه. لا تغرق نفسك في الديون لأجل لعبة تحضرها لطفلك… مهما كانت وسيلة اللهو كبيرة أو صغيرة… كيف كان يعيش الناس بتلك البساطة… كانت أمورهم تصعب أحيانًا… لكنهم كانوا يجدون حلًا لأن طلباتهم لم تكن بكثرة متطلبات هذه الأيام…

التعاطف الأسري أمر هام… الاهتمام بأمور الناس والجيران ومد يد الخير إن استطعنا من الأمور التي يحث عليها شرعنا الحنيف… ليتنا نستفيد من أيام زمان ونسعى لتكرار ما كان فيها من خير… وليتنا نترك من زماننا هذا ما ليس فيه ضرورة…

من يعمل بصدق وإخلاص في تطبـيـق تـعالـيم ديننا العظيم سيجد الراحة إن شاء الله في الدنيا والآخرة… صلاح الحال يحتاج لجهد منا… دعونا لا نقصّر في هذا المجهود…█